فصل: ما وقع من أحداث سنة تسع وعشرين وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.ما وقع من أحداث سنة تسع وعشرين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة:
وكانت غرة المحرم من هذه السنة، يوم الجمعة رابع تشرين الثاني، ولم يبلغني في أوائلها ما يليق أن يؤرخ والله أعلم.
ذكر أخبار الصبي صاحب سيس:
في هذه السنة اشتد الصبي صاحب سيس، وهو ليفون بن أوشين، وكان الحاكم عليه صاحب الكرك- بكافين الأولى مفتوحة وبينهما راء مهملة ساكنة- وهي قليعة قريب البحر، في أطراف بلد سيس من جهة الغرب والشمال، وهي تتاخم بلاد ابن قرمان، وكان صاحب الكرك المذكور قد استولى على مملكة صاحب سيس، بحكم صغر الصبي المذكور، فلما كانت هذه السنة قوي الصبي وقتل صاحب الكرك وأخاه بعده، وأرسل رأس صاحب الكرك إلى السلطان فأرسل السلطان تشريفاً وسيفاً وفرساً بسرجه ولجامه، مع الأمير شهاب الدين أحمد المهمندار بالأبواب الشريفة، فتوجه شهاب الدين بذلك إلى الصبي صاحب سيس فلبى صاحب سيس الخلعة، وشذ السيف وقبل الأرض، وركب الفرس المتصدق به عليه، وقويت نفسه بذلك، وأوصل شهاب الدين المهمندار المذكور أنعاماً كثيراً وعماد شهاب الدين إلى الأبواب الشريفة، وعبر على حماة متوجهاً إلى الأبواب الشريفة يوم الخميس، ثاني عشر جمادى الآخرة.
وفي هذه السنة وصلني من صدقات السلطان من الحصن البرقية اثنان بالعدة الكاملة صحبة، علاء الدين أيدغي أمير أخور، لي ولابني محمد، وركبنا الموكب بهما نهار الاثنين، سابع رجب، وفي هذه السنة أرسل السلطان إلى المقر السيفي أرغون النائب بحلب، وأمره بالحضور إلى الأبواب الشريفة، فسار المذكور من حلب وتوجه إلى الديار المصرية، وحضر بين يدي السلطان وشمله بأنواع الصدقات والتشاريف، وبقي مقيماً في الخدمة الشريفة نحو نصف شهر، وما يزيد على ذلك، ثم أمره بالعود إلى النيابة بالمملكة الحلبية، فعاد إليها وعبر على حماة يوم الخميس حادي عشر رجب، وكنت قد خرجت إلى تلقيه، ولقيته بين حمص والرستن وبت عنده يوم الخميس بالرستن، ودخل حماة يوم الجمعة، وصلى وسافر إلى حلب. وفي هذه السنة في الليلة المسفرة عن نهار الاثنين الثالث والعشرين من رجب وتاسع عشر أيار ولد لولدي محمد ولداً ذكراً وكان ذلك وقت المسبح من الليلة المذكورة، وسميته عمر بن محمد.
وفي هذه السنة كان قد توجه على الرحبة رسول أبي سعيد، وهو رسول كبير يسمى تمر بغا، وحضر بين يدي السلطان وكان حضوره بسبب أن أبا سعيد سأل الاتصال بالسلطان وأن يشرفه السلطان بأن يزوجه ببعض بناته، ووصل مع الرسول المذكور ذهب كثيراً لعمل مأكول وغيره، يوم العقد، فأجابه السلطان بجواب حسن، وإن اللاتي عنده صغار، ومتى كبرن يحصل المقصود وعاد تمر بغا الرسول بذلك، وعبر على حماة يوم الجمعة عاشر شعبان من هذه السنة.
وفيها توفي بدمشق قاضي قضاتها وهو علاء الدين القزويني، وكان فاضلاً في العلوم العقلية والنقلية، وعلم التصوف، وله مصنفات مفيدة رحمه الله تعالى.

.ما وقع من أحداث سنة ثلاثين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة ثلاثين وسبعمائة:
فيها في المحرم، توفي القاضي علاء الدين علي بن الأثير، كان كاتب السر بمصر، ثم فلج وانقطع فولى مكانه القاضي محي الدين بن فضل الله وفيه مات الشيخ فتح الدين بن قرناص الحموي ولي نظر جامع حماه وله نظم. وفيه قدم قاضي القضاة علم الدين محمد بن أبي بكر الأخنائي، صحبة نائب الشام، عوضاً عن القونوي.
وفيه توفي الوزير الزاهد العالم أبو القاسم محمد بن الوزير الأزدي الغرناطي بالقاهرة، قافلاً من الحج، بلغ من الجاه ببلده إلى أنه كان يولي في الملك ويعزل، وكان ورعاً شريف النفس عاقلاً، أوصى أن تبع ثيابه وكتبه ويتصدق بها.
وفيها في صفر، مات بدمشق سيف الدين بهادر المنصوري بداره، وشيعه النائب والأعيان.
وفيه مات مسند العصر، شهاب الدين أحمد بن أبي طالب الصالحي الحجازي ابن شحنة الصالحية، توفي بعد السماع عليه بنحو من ساعتين، كان ذا دين وهمة وعقل، وإليه المنتهى في الثبات وعدم النعاس، وحصلت له للرواية خلع ودراهم وذهب وإكرام، وشيعه الخلق والقضاة ونزل الناس بموته درجة.
وفيه توفي قاضي القضاة فخر الدين عثمان بن كمال الدين محمد بن البارزي الحموي الجهني، قاضي حلب، فجأة بعد أن توضأ وجلس بمجلس الحكم ينتظر إقامة العصر، حج غير مرة، وكان يعرف الحاوي في الفقه. وشرحه في ست مجلدات، وكان يعرف الحاجبية والتصريف، وكان فيه دين وصداقة رحمه الله تعالى.
وفيها في ربيع الآخر، تولى قضاء القضاة بحلب، القاضي شمس الدين محمد بن النقيب، نقل من طرابلس وولي طرابلس كعده شمس الدين محمد بن المجد عيسى البعلي، سار من دمشق إليها.
وفيها في جمادى الأولى، أنشأ الأمير سيف الدين مغلطاي الناصري مدرسة حنفية بالقاهرة ومكتب أيتام. وفيها في جمادى الآخرة مات الأمير العالم سيف الدين أبو بكر محمد بن صلاح الدين بن صاحب الكرك بالجبل، وكان فاضلاً شاعراً.
وفيه وصل الخبر بعافية السلطان من كسر يده، فزينت دمشق وخلع على الأمراء والأطباء.
وفيه مات بمكة قاضيها الإمام نجم الدين أبو حامد. وفيه مات الشيخ إبراهيم الهدمة، وله كرامات وشهرة.
وفيه حضرت رسل الفرنج يطلبون بعض البلاد، فقال السلطان ألولا أن الرسل لا يقتلون لضربت أعناقكم، ثم سفروا.
وفيها في رجب ماتت زوجة تنكز، وعمل لها تربة حسنة قرب باب الخواصين، ورباط.
وفيها في رمضان مات قاضي طرابلس شمس الدين محمد بن مجد الدين عيسى الشافعي البعلي وكان صاحب فنون قلت:
لقد عاش دهراً يخدم العلم جهده ** وكان قليل المثل في العلم والود

فلما تولى الحكم ما عاش طائلاً ** فما هنئ ابن المجد والله بالمجد

وفيه أنشأ الأمير سيف الدين قوصون الناصري جامعاً عند جامع طولون، عند دار قتال السابع، فخطب به أول يوم قاضي القضاة جلال الدين بحضور السلطان وقرر لخطابته القاضي فخر الدين محمد بن شكر.
وفيها في شوال مات رئيس الكحالين نور الدين علي بمصر.
وفيها احترقت الكنيسة المعلقة بمصر، وبقيت كوماً.
وفيها قدم رسول صاحب اليمن بهدية، فقيد وسجن، لأن صاحب الهند بعث إلى السلطان بهدايا فأخذها صاحب اليمن، وقتل بعض من كان معها وحبس بعضهم.
وفيها في ذي القعدة مات الأمير علاء الدين قلبرس ابن الأمير علاء الدين طبرس بدمشق بالسهم، وكان مقدم ألف، وله معروف، وخلف أموالاً. ومات الأمير جف الدين كوليجار المحمدي.
وفيها بدمشق في ذي الحجة، مات المعمر المسند زين الدين أيوب بن نعمة، وكانت لحيته شعرات يسيرة وكان كحالاً. ومات بها أيضاً الصالح الزاهد الشيخ حسن المؤذن بالمأذنة الشرقية بالجامع، وكان مجاوراً به. ومات بدر الدين محمد بن الموفق إبراهيم بن داود بن العطار، أخو الشيخ علاء الدين، ببستانه، وصلاح الدين يوسف بن شيخ السلامية صهر الصاحب، وشيعه الخلق وفجع به أبواه وكان شاباً متميزاً من أبناء الدنيا المتنعمين.

.ما وقع من أحداث سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة:

ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة:
فيها وردت كتب الحجاج بما جرى بمكة، شرفها الله تعالى، حول البيت من ثورة عبيد مكة، ساعة الجمعة بالوفد، من النهب والجراحة وقتل جماعة من الحجاج، وقتل أمير مصري، وهو أيدمر أمير جندار وابنه، ولما بلغ السلطان ذلك غضب، وجرد جيشاً من مصر والشام للانتقام من فاعل ذلك.
وفيها في المحرم أيضاً مات الأمير الكبير شهاب الدين طغان بن مقدم الجيوش سنقر الأشقر، ودفن بالقرافة، جاوز الستين، وكان حسن الشكل ومات الصالح كمال الدين محمد ابن الشيخ تاج الدين القسطلاني بمصر، سمع ابن الدهان وابن علاق والنجيب، وحدث وكان صوفياً.
وفيها في صفر، مات قاضي القضاة عز الدين محمد ابن قاضي القضاة عز الدين سليمان بن حمزة الحنبلي، بدمشق بالدير، ومولده في ربيع الآخر سنة خمس وستين، سمع من الشيخ وابن النجاري وأبي بكر الهروي وطائفة، وأجاز له ابن عبد الدائم، وكان عاقلاً، ولي القضاء بعد ابن مسلم، وحج ثلاث مرات.
وماتت أم الحسن فاطمة بنت الشيخ علم الدين البرزالي، سمعت الكثير، من خلق، وحدثت وكتبت ربعة وأحكام ابن تيمية والصحيح، وحجت، وكانت تجتهد يوم الحمام أن لا تدخل حتى تصلي الظهر، وتحرص في الخروج لإدراك العصر، رحمها الله تعالى.
وفيها في صفر أيضاً وصل نهر الساجور إلى نهر قويق، وانصبا إلى حلب، بعد غرامة أموال عظيمة، وتعب من العسكر والرعايا. بتولية الأمير فخر الدين طمان.
وفيها في ربيع الأول مات بحلب الأمير سيف الدين أرغون الناصري نائبها، وخرجت جنازته بلا تابوت، وعلى النعش كساء بالفقيري. من غير ندب ولا نياحة، ولا قطع شعر، ولا لبس جل، ولا تحويل سرج، حسبما أوصى به، ودفن بسوق الخيل تحت القلعة، وعملت عليه تربة حسنة، ولم يجعل على قبره سقف ولا حجرة بل التراب لا غير، وكان متقناً لحفظ القران، مواظباً على التلاوة عنده فقه وعلم، ويرد أحكام الناس إلى الشرع الشريف، حتى كان بعض الجهال ينكر عليه ذلك، وكتب صحيح البخاري بخطه بعد ما سمعه من الحجاز، واقتنى كتباً نفيسة، وكان عاقلاً وفيه ديانة رحمه الله.
وفيها في صفر أيضاً ولي قضاء الحنابلة بدمشق الشيخ شرف الدين ابن الحافظ، واستناب ابن أخيه القاضي تقي الدين عبد الله بن أحمد، ومات القاضي الفقيه الأديب ضياء الدين علي بن سليم بن ربيعة الأذرعي الشافعي بالرملة، ناب عن القاضي عز الدين بن الصائغ، وناب بدمشق عن القونوي، نظم التنبيه في الفقه في ستة عشر ألف بيت وشعره كثير.
مات الرئيس زين الدين يوسف بن محمد بن النصبي بحلب، سمع من شيخ الشيوخ عز الدين، مسند العشرة، وحدث، قارب الثمانين وفيها في ربيع الآخر مات الأمير سيف الدين طرشي الناصري بمصر، أمير مائة، حج غير مرة، وفيه ديانة.
ومات الشيخ علاء الدين ابن صاحب الجزيرة، الملك المجاهد إسحاق ابن صاحب الموصل لؤلؤ بمصر، سمع جزء ابن عرفة من النجيب، والجمعة من ابن علاق، وكان جندياً له ميرة.
ومات بحلب نور الدين حسن ابن الشيخ المقري جمال الدين الفاضلي، روى عن زينب بنت مكي وكان كاتباً بحلب.
ومات الأمير علم الدين سنجر البرواني بمصر فجأة، وكان أمير خمسين من الشجعان.
ومات الصالح المسند شرف الدين أحمد بن عبد المحسن بن الرفعة العدوي، سمع وحدث.
ومات ليلة الجمعة تاسع وعشرين ربيع الآخر بدر الدين محمد بن ناهض إمام الفردوس بحلب، سمع عوالي الغيلانيات الكبير، على القطب ابن عصرون، وحدث وله نظم.
ومات رئيس المؤذنين بجامع الحاكم نجم الدين أيوب بن علي الصوفي، وكان بارعاً في فنه، له، أوضاع عجيبة وآلات غريبة.
وفيها في جمادى الأولى، عاد الأمير علاء الدكن التنبغا إلى نيابة حلب، وفرح الناس وأظهروا السرور.
وفيها حضر بمكة الأمير رميثة بن أبي نمي الحسني وقريء تقليده ولبس الخلعة بولاية مكة، وحلف مقدم العسكر الذين وصلوا إليه والأمراء له بالكعبة الشريفة، وكان كوما مشهوداً وكان وصول الجيش إلى مكة في سابع عشر ربيع الآخر.
وفيه مات الإمام الورع موفق الدين أبو الفتح الجعفري المالكي، وشيعه خلق إلى القرافة، وقارب السبعين، ولم يحدث.
ومات العدل السر برهان الدين إبراهيم بن عبد الكريم العنبري، باشر الصدقات والأيتام والمساجد وهو خال ابن الزملكاني.
ومات القاضي تاج الدين بن النظام المالكي بالقاهرة ومات أبو دبوس المغربي بمصر، قيل إنه ولي مملكة قابس، ثم أخذت منه فترح؛ فأعطي إقطاعاً في الحلقة.
وفيها في جمادى الآخرة، مات القاضي التاج أبو إسحاق عبد الوهاب بن عبد الكريم وكيل السلطان، وناظر الخواص بمصر.
وفيه وصل إلى دمشق العسكر المجرد إلى مكة، ومقدمهم الجي بغا، غابوا خمسة أشهر سوى أربعة أيام، وأقاموا بمكة شهراً ويوماً، وحصل بهم الرعب، في قلوب العرب، وهرب من بين أيديهم عطيفة والأشراف بأهلهم، وثقلهم، وعوض عن عطيفة بأخيه رميثة، وقهر مكانه.
ومات الأمير حسام الدين طرنطاي العادلي الدوانداري بمصر، وكان ديناً وله سماع.
ومات المجد بن اللغينة ناظر الدواوين بالقاهرة. ومات الرئيس تاج الدين بن الدماملي، كبير الكرامية بمصر، قيل ترك مائة ألف دينار.
- ووصل الحاج عمر بن جامع السلامي إلى دمشق من إصلاح عين تبوك، جمع لها من التجار دون عشرين ألفا وأحكمت.
وفيها في رجب مات بمصر العلامة فخر الدين عثمان لن إبراهيم التركماني، سمع من الأبرقوهي، وشرح الجامع الكبير، وألقاه في المنصورية دروساً، وكان حسن الأخلاق فصيحاً، ودرس بها بعده ابنه.
ومات بمصر القاضي جمال الدين بن عمر البوزنجي المالكي معيد المنصورية.
وفيها في شعبان كان بدمشق ريح عاصفة حطمت الأشجار ثم وقع في تاسعه برد عظيم قدر البندق.
وفيه جاء من الكرك، الملك أحمد ابن مولانا السلطان الملك الناصر، وختن بعد ذلك بأيام، وأنفذ إلى الكرك أخ له اسمه إبراهيم.
ومات سيف الدين كشتمر الطباخي الناصري بمصر، كهلاً، تفقه لأبي حنيفة، وكان ديناً، وأحدثت بالمدرسة المعزية على شاطئ النيل الخطبة، وخطب عز الدين عبد الرحيم ابن الفرات حين رتب ذلك، سيف الدين طقز دمر، أمير الجيش.
وفيها في رمضان قدم دمشق العلامة تاج الدين عمر بن علي اللخمي بن الفاكهاني المالكي، من الإسكندرية لزيارة القدس، والحج، فحدث ببعض تصانيفه، وسمع الشفاء وجامع الترمذي من ابن طرخان، وصنف جزءاً في أن عمل المولد في ربيع الأول بدعة. وفيها في ذي القعدة مات الصاحب تقي الدين بن السلعوس بالقاهرة فجأة، حج وسمع من القارون.
ومات القاضي جمال الدين أحمد بن محمد القانسي التميمي، درس بالأمينية والظاهرية، وعمل الإنشاء بدمشق.
وفيها في ذي الحجة مات الأمير نجم الدين البطاحي، ولى أستاذ دارية السلطنة، ومات أمين الدين بن البص، أنفق أموالاً في بناء خان المزيرب، وفي بناء مسجد الذباب، والمأذنة، قيل أنفق في وجوه البر مائتي ألف وخمسين ألفا.
ومات بدمشق الأمير ركن الدين عمر بن بهادر، وكان مليح الشكل، وجاء التقليد بمناصب جمال الدين ابن القلانسي لأخيه.